منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب

المنتدى العربي الاول في الانثروبولوجيا - نحو أنثروبولوجيا حداثوية
 
الرئيسيةس .و .جبحـثدخولالتسجيلالتسجيلإتصل بنامن نحن
اهلا بكم زوارنا واعضاءنا الافاضل في منتداكم منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب
بشرى سارة: نود ابلاغكم بأنه تم افتتاح صفحتنا على الفيس بوك لاجل توفير الخدمات لكم ولاجل التواصل معكم
تنبيه: الى جميع الاخوة الاعضاء الرجاء عدم وضع اي اعلان ترويجي لصالح اي منتدى او مؤسسة او منظمة اهلية او حكومية وبخلافه سوف يتم مسح الاعلان والغاء عضوية الفاعل ... شاكرين لكم تعاونكم معنا
المنتدى يوفر لكم الكتب والرسائل والاطاريح وكافة الاستشارات والاسئلة لكي نساعدكم في انجاز دراساتكم
ساعة فلاشية
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» دور استراتيجيات التسويق في تطوير الطلب السياحي
26/8/2014, 13:57 من طرف raeedhassan

» ارجو المساعدة
26/8/2014, 12:42 من طرف rawia abbas

» تأملات في مؤلف " إعراب الأعراب" للأستاذ: عبد اللطيف بنعمر:
11/8/2014, 14:10 من طرف ماسكولا

» الاثنوغرافيا بالتفصيل
9/8/2014, 10:32 من طرف safa ddz

» تحميل كتب تخص علم الادارة والاقتصاد
4/8/2014, 09:28 من طرف سبعاوي

» طريقة للحصول على بحوث جاهزة بسرعة .. مهم جدا للباحثين
31/7/2014, 18:02 من طرف sama abriya

» موقع المتابعين العرب
25/7/2014, 15:08 من طرف damascus

» موقع سوق الرياض للمنتجات الصحية
25/7/2014, 14:48 من طرف damascus

» ضروري للأهمية
7/7/2014, 22:17 من طرف موني خوالدي

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
إبراهيم حسن - 2169
 
تقوى الرحمان - 443
 
طالبة دكتوراه - 240
 
سعيد الجزائري - 178
 
كوردستان - 121
 
alalkoora1990 - 106
 
ذكرى الحلوة - 100
 
alisaiddz - 95
 
د.احمد جميل - 81
 
طالبة ماجيستير - 75
 
يمنع النسخ
عدد زوار موقعك

.: عدد زوار المنتدى :.

اهلا بكم
شاطر | 
 

 التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
د.احمد جميل
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون   11/8/2009, 23:59

التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكونية

أ. بلغيث سلطان

قسم الاجتماع- جامعة تبسة- الجزائر

مقدمة:

تُعد ظاهرة التنشئة الاجتماعية من الظواهر القديمة والمستمرة في المجتمع البشري بوجه عام؛ فلا يخلو منها مجتمع مهما بلغت درجة بساطته أو تعقده ومهما كانت رتبته في السلم الحضاري؛ حيث تحرص الجماعات الإنسانية عامة على ترسيخ قيمها ونقل معاييرها وأطرها الثقافية من جيل الآباء إلى جيل الأبناء وتسلك في ذلك مسالك عدة تتشابه وتختلف في بعض جوانبها وفقا لتباين النسق الثقافي والقيمي بين مجتمع وآخر.

وقد تصادف المجتمعات والجماعات الإنسانية بعض المشكلات في تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي من أهدافها في عملية التطبيع والتنشئة الاجتماعية لأجيالها في كل زمان ومكان، ولاسيما في هذا العصر المحفوف بالتحديات، حيث أضحت مسألة التنشئة الاجتماعية للأبناء أكثر صعوبة وأشد تعقيدا؛في عصر سقطت فيه الحدود ،وزالت فيه عوائق الاتصال بين أطراف الكرة الأرضية،وأصبحت عملية مواجهة الغزو الثقافي الوافد أكثر صعوبة في عصر تتسلل فيه المفاهيم والمعلومات من كل المنافذ صانعة منظومة من القيم يُراد لها أن تكتسي طابعا كونيا. ولعل ذلك ما حدا بالسَّاسة والمربين والمصلحين على كافة المستويات أن يجدُّوا في البحث عن مخرج لتلك الأزمة التربوية الاجتماعية المتعلقة بضعف القدرة على صناعة المناعة الذاتية في مواجهة شظايا المعلومات التي باتت تطال مختلف جنبات المعمورة،وهذه المعضلة التي تُميز الراهن الثقافي العالمي. ألقت بضلالها على الكثير من جوانب الحياة الدينية والأمنية والاقتصادية وغيرها.

وانطلاقا من الحكمة القائلة بأنه إذا أردنا مساعدة الأطفال حتى يكونوا مواطنين اجتماعيين فإنه لامناص من وضع هذه المرحلة الحساسة والحرجة من عمر الإنسان تحت مجهر البحث وتناولها بالتشريح والدراسة المستفيضة،مما يجعل موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غاية الضرورة،لأنه يتغيا فهم الأطفال واحتياجاتهم ومتطلباتهم. فالمولود يأتي إلى هذا العالم عبارة عن قطعة بيولوجية،وتتولى الأسرة وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية المحلية والعالمية مهمة،تحويله من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي عن طريق تمكينه من تعلم مختلف العلاقات والأدوار والقيم الاجتماعية،حتى يصبح بمقدوره الانسجام مع متواضعات ثقافة المجتمع الذي نشأ فيه،والتكيف مع تحديات عصر المعلومة وثقافة الصورة.وستحاول هذه الداخلة العلمية التي تشير إلى أهمية التنشئة الاجتماعية في الظروف الراهنة مع إبراز أهم الجوانب السلبية التي تميز تنشئة الأبناء في عالمنا العربي المسلم،مع تقديم بعض اللمحات الفكرية التي قد تساهم إن تم الأخذ بها في تجويد عملية التنشئة الاجتماعية وتوفير شروط صناعة جيل قوي يحسن التعامل مع متغيران عصره وتحديات زمانه.
1- المفهوم والتعريف:
التنشئة الاجتماعية Socialization Social هي "عملية أساسية يتم بواسطتها نقل التراث الحضاري،وخبرات الأجداد وقيمهم وعاداتهم إلى الأحفاد،ومنهم إلى الأجيال القادمة،إنها وسيلة الاتصال الرئيسة بين الماضي والحاضر والانتقال من الحاضر إلى المستقبل،ففيها ومن خلالها وفي نطاق الأسرة يلقن الطفل قيم مجتمعه ومثله وأهدافه،وما يعتز به من إنجازات في تاريخه الطويل...فهي في الأساس وظيفة أساسية من وظائف الضبط الاجتماعي"(1).

فالتنشئة الاجتماعية هي عملية مركبة تتضمن التعلم والتعليم والتربية،تتظافر فيها جهود الفرد والجماعة والمجتمع بغرض تكوين الإنسان المتوازن نفسيا واجتماعيا،الإنسان الناضج اجتماعيا الذي يُحسن التواصل وبناء علاقات ناجحة مع الآخرين.ولن يقوى الإنسان على بناء علاقات ناجحة مع الآخرين ما لم يتمكن من هضم ثقافة مجتمعة بشكل جيد،واستيعابه لطبيعة الأدوار الاجتماعية وما تتطلبه من أنماط السلوك المقبولة اجتماعيا،وهذا يتوقف على الأسلوب الذي تعرض به هذه الثقافة من قبل مؤسسات التنشئة في المجتمع.

فالتنشئة الاجتماعية بوجه عام تتوخى تشكيل الأفراد وفق متواضعات نمط الحياة السائد اجتماعيا وثقافيا،من خلال استيعاب الفرد للتجربة الاجتماعية ونظام العلاقات،والانخراط النشط والهادف في البيئة الاجتماعية.

أما التنشئة الاجتماعية في التفكير العربي الإسلامي فتعني أنسنة الآدمي بوساطة عملية المربي التي يتعلم فيها ويكتسب منها أنماط التصرف المسترشدة بالضوابط العرفية(معايير وقيم وتقاليد) السائدة، يسمى بعدئذ بالإنسان"(2).

فالإسلام يعتبر عملية التنشئة الاجتماعية بمثابة القناة التي تُؤمن وصول القيم الثقافية الإسلامية للناشئة في المجتمع المسلم،وصمام الآمان الذي يقي المجتمع من الانحراف عن تعاليم الدين ومتواضعات المجتمع.

2- أهمية التنشئة الاجتماعية:

تُعد مرحلة الطفولة من أهم وأخطر المراحل العمرية في حياة الإنسان،فهي بمثابة اللبنة الأولى التي يتوقف على سلامة وضعها واستقامة بنائها وصلابتها قوة البناء الاجتماعي برمته،لأنها تسهم بقسط وار في تكوين سلوك الطفل وبلورة شخصيته ،وتحديد طريقة تفكيره،فخبرات هذه المرحلة تمتد لتلقي بظلالها على بقية المراحل الأخرى من حياة الإنسان، ،لذلك قيا بأن الطفل هو أبو الرجل. وبالنظر إلى حساسية هذه المرحلة فقد لقيت عناية فائقة من قبل مختلف الباحثين،وقد كان الفيلسوف اليوناني أفلاطون من السباقين في التفطن والتنبيه لأهمية التنشئة الاجتماعية في الاطمئـنان على مستقبل المجتمع ،حيث يقول:طالما كان الجيل الصغير حسن التربية،ويستمر كذلك،فإن لسفينة دولتها الحظ في سفرة طيبة.

ومن جهته يقول زعيم المدرسة السلوكية ' واطسن ' تعبيرا عن أهمية وخطورة مرحلة الطفولة المبكرة في بناء شخصية الإنسان: بعد دراسة مئات عديدة من الأطفال الصغار، توصلنا إلى رأينا الذي يؤكد انه بإمكاننا أن نقوي شخصية الطفل أو نحطمها قبل أن يتجاوز السنة الخامسة من عمره، وباعتقادنا أيضا أن سمات الفرد المستقبلية تتحدد في نهاية السنة الثانية من عمره.
من أجل ذلك كانت التربية عبر العصور فنا قديما وعملية اجتماعية تتأثر بالزمان والمكان حيث اختلفت أهدافها من عصر إلى عصر، وبقيت غايتها تكوين شخصية الفرد، وحب الوطن وخلق مجتمع حقيقي قوي، واستنادا إلى أن التربية هي صانعة سلوك الإنسان وقوته وقوميته ونظامه الاجتماعي، فإننا نستطيع الحكم بان الإنسان العربي بشخصيته الحالية إنما هو انعكاس للأنماط التربوية السائدة في عملية التنشئة الاجتماعية داخل مجتمعنا العربي. ولهذا فإن التربية اكتسبت تعريفها على أساس أنها عملية تنشئة وتفاعل اجتماعي شامل، تتأثر بحدود الزمان والمكان، وتختلف باختلاف نمط الحياة السائدة وسط الجماعة أو في المجتمع.وفي ضوء ذلك تكون التربية الإسلامية بمثابة عملية غايتها تنمية فكر الإنسان،وتنظيم سلوكه،وعواطفه،على أساس الدين الإسلامي،وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة،أي في كل مجالات الحياة(3).أي أنها تلك الجهود التي يقوم بها الكائن البشري بغرض إحداث تغييرات مرغوبة في البيئة المادية والبشرية،حتى يكون فكر الجماعة انعكاسا صادقا للتعاليم التي يدين بها الإطار المرجعي الإسلامي.

ولا يُمكن للثقافة أن تشكل الشخصية وتصوغها إلا عن طريق عملية الصياغة الاجتماعية أو التّنشئة الاجتماعية Social Socialization ،ذلك أن مستقبل الأمة مرهون بطبيعة الرعاية التربوية والثقافية التي تتلقاها الناشئة،من خلال توفير الأجواء الصحية الملائمة للتدرب على الحوار الهادئ الذي يُفضي إلى مساعدة الناشئة على إبراز مواهبهم،والتعبير عن تطلعاتهم وإعدادهم بطريقة فنية لتذوق معنى الحياة الاجتماعية السوية.فالمجتمع يرى آماله بأعين أبنائه الذين يسهر على إحاطتهم بشتى صنوف الرعاية والتأهيل لتولي مهمة قيادة سفينة الحياة في المستقبل؛فمن أغنية المهد التي تهمس بها الأم لطفلها كي ينام،إلى حكايات الأمهات والجدات إلى السامعين الصغار،إلى أقوال اللعب،؛إلى الأناشيد،إلى شتى أشكال التسلية التي تطرب لها نفوس الأطفال.تتدرج أساليب التنشئة والتطبيع الاجتماعي كي تؤمن نقل العُدة التربوية و الفكرية لبراعم المجتمع استعدادا للانخراط الجاد في معركة إثبات الذات وتحقيق الوجود.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.احمد جميل
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: رد: التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون   12/8/2009, 00:00

3- أهدافها:

تتوخى التنشئة الاجتماعية تحقيق جملة من الأهداف في كل المحطات العمرية للإنسان حتى تستطيع تأكيد حضورها في المشهد الاجتماعي بوجه عام،ويمكن إجمال هذه الأهداف فيما يلي:

أ-تأمين انتقال الطفل من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي.

ب -المساهمة في نقل التراث الاجتماعي والثقافي بين الأجيال.

ج -توجيه سلوك الأفراد وتصرفاتهم بما ينسجم مع متواضعات المجتمع.

د- تمكين الفرد من المشاركة الاجتماعية،وتحقيق التماسك الاجتماعي وفقا للقيم والقواعد الاجتماعية المرعية.

ه-تحقيق التوافق الاجتماعي من خلال الاتساق مع القيم والمعايير الاجتماعية للمجتمع.

و‌- تعليم وتدريب الفرد على الأدوار الاجتماعية،بما يُهيئ التناغم مع ثقافة المجتمع.

ز‌- مساعدة الفرد على تحقيق طموحاته البناءة،وتزويده بمختلف الخبرات التي تساعده التدرج في سلم الترقي الاجتماعي ،دون التمرد على ثقافة مجتمعه.

4- وظائفها:

أ- اكتساب المعرفة والقيم والاتجاهات والمعايير والرموز وكافة أتماط السلوك،فالأسرة تزود الطفل بذلك الرصيد الأول من المعلومات،والمعارف ،والقيم،وأساليب السلوك الاجتماعي،وبالتالي يمثل هذا الرصيد بمثابة الضوء الذي يسترشد به الطفل في مختلف مراحل حياته،ويستمد منه العون في مواجهة المواقف المعقدة والمستجدة التي قد تعتري سير حياته.

ب- اكتساب العناصر الثقافية للجماعة،لتصبح جزءا من التكوين الشخصي للفرد

ج- التكيف مع البيئة الاجتماعية ،وخاصة من ناحيتي العضوية والانتماء

د- ضبط السلوك الاجتماعي للأفراد من خلال اكتسابهم وتعلمهم لوسائط الضبط الاجتماعي المختلفة.

ه- تحويل الفرد من حالة التبعية والاعتماد على الغير إلى حالة الاستقلالية والاعتماد على الذات.

وهناك من يرى أن للتنشئة الاجتماعية ثلاث وظائف أساسية وهي:

أ‌- تأنيس الأعضاء الجدد الذين يأتون إلى المجتمع عن طريق الولادة.

ب‌-تكييف الفرد الموجود أصلا حسب نظم المجتمع القائمة في المجتمع أي تمأسسه.

ج‌- ربط الفرد بجماعة معينة أو المجتمع العام من خلال ممارسته للأدوار الاجتماعية(4).

6-التنشئة الاجتماعية والثقافة:

إذا كانت التنشئة الاجتماعية تمثل عملية انتقال الثقافة من جيل إلى آخر،والطريقة التي يتم بها إعداد الأفراد منذ طفولتهم ليعيشوا في مجتمع ذي ثقافة معينة،ويدخل في ذلك ما يلقنه الآباء والمدرسون والمجتمع من لغة ودين ومعايير ومعلومات و مهارات(5).ويعكس هذا التعريف طبيعة العلاقة الكائنة بين التنشئة الاجتماعية والثقافة،فالتنشئة الاجتماعية بمثابة القناة التي تُؤمن مرور الثقافة بين الأجيال،وإحداث حالة من التناغم والملاءمة الاجتماعية بين الأفراد والمجتمع عبر تشربهم لمتواضعاته،ومادامت ثقافة الطفل هي اللبنة الأولى لثقافة الإنسان والمجتمع،فيجدر أن نقدم هذه الثقافة إلى أبنائنا في صورة هدايا ناعمة تستثير رغبتهم منذ صغرهم لمزيد من جرعاتها في صورة إمتاع وجداني عقلي يسعى إليه ويصبح التزاما بالنسبة له،ولا يُجبر عليه فيكون قيدا يستعجل لحظة الفكاك منه.لاسيما وأن الثقافة تشكل ذاكرة الإنسان الحضارية التي تُؤمن تجذره في الماضي ،وحضوره في الراهن، ورُؤيته في المستقبل،فهي بحق بوصلة ضابطة لإيقاع حركة الفرد والمجتمع.لذلك تجد المفكر مالك بن نبي كان رجلا عمليا،مدركا ومتحسسا ببعد نظره وثاقب فكره لتحديات المستقبل،وقد واصل من خلال تشخيصه لمشكلات وأدواء العالم الإسلامي إلى قناعة فكرية مفادها أن كل تفكير في مشكلة الإنسان هو تفكير في مشكلة الحضارة،وكل تفكير في مشكلة الحضارة هو تفكير في مشكلة الثقافة. وقد نصح بضرورة تجاوز فكرة الانهماك في البحث عن تعريف للثقافة إلى التركيز على الآليات العملية الكفيلة بتفعيلها ميدانيا في صورة برنامج تربوي هدفه تغييرالانسان و إعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي،وتماسك شبكة العلاقات الاجتماعية. مما يُيسر عملية التواصل الحضاري والثقافي بين الأجيال ،ولاسيما في ظل مجتمع المعرفة الذي يتغذى على المعلومات قوامه التفاعل المنتج بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي والثقافي.لأن السلوك الاجتماعي الذي يعكس روح ثقافة المجتمع لاتصنعه الأسرة أو المدرسة بمفردها ،بل هو انعكاس للبيئة الاجتماعية بمختلف مؤسساتها حيث يتأثر الفرد بالإطار الثقافي الاجتماعي المحيط به.فعلاقات التشابك والتلاقي بين الثقافة والتنشئة الاجتماعية متعددة،فالثقافة باعتبارها مخزن وعي ووجدان ومخزن صورة الذات والغيروالآخرو العالم،ومن حيث احتوائها على لوحة القيم-حسب ماجاء في إعلان مكسيكو للسياسات الثقافية،إما أن تكون رافدا قويا للتربية،أو عائقا للتطور إذا غلبت عليها الصور السالبة.وهذا دليل على قدرة الثقافة قوة وضعفا على التأثير في مسيرة المجتمع تحو الترقي والنهوض.

وتبين الدراسات الجارية في ميدان التنشئة الاجتماعية أن الأساليب التسلطية والتقليدية في التربية تؤدي إلى هدم البنية النفسية والاجتماعية والعقلية للشخصية عند الأطفال. وعلى خلاف ذلك تبين هذه الدراسات أن الأطفال الذين يعيشون في أوساط أسرية تعتمد التنشئة الاجتماعية الديمقراطية يتميزون بالسمات التالية:

آثار التنشئة الديمقراطية آثار التنشئة التسلطية

الاستقلال


1


التبعية

النزعة الاجتماعية


2


الأنانية(مركزية الذات)

المواظبة والإنجاز


3


كسل وإحباط

التوازن الذاتي


4


الاضطرابات الانفعالية

الإبداع


5


التوافقية

المودة


6


العدوانية

الإحساس بالأمن


7


القلق

الفرح والسعادة


8


الحزن والاكتئاب



جدول رقم(1): يبين الفرق بين آثار التنشئة الديمقراطية والتنشئة التسلطية"(6).

وهذا إنما يدا على أن بيئة التنشئة التي تغلب عليها الترسبات الثقافية السلبية تعيق النمو النفسي والاجتماعي السليم للأبناء،فيما تساعد البيئة التي تسود فيها ثقافة التسامح والحوار وروح المشاركة واحترام الرأي الآخر في صقل الشخصية وبناء الإنسان المتوازن الذي يحسن التفاعل والتكامل مع الآخرين.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن العنف والقسوة في معاملة الأهل والأبناء والناس جميعا،حاثا على التزام جانب الرفق باعتباره ينبوع الخير بقوله:(من حُرم الرفق حُرم الخير).ونجد يحي ابن أكثم يرغب في الرفق،والاعتدال في الحزم بقوله:

الرفق يُمن والأناة سعـادة فاستأن في رفق تلاق نجاحا

لاخير في حزم بغير روية والشك وهن إن أردت سراح
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.احمد جميل
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: رد: التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون   12/8/2009, 00:01

وفي كثير من الأحيان يتعامل الأباء والمربون مع الأطفال بأساليب قاسية ناسين أو متناسين أن" التمرد الظاهر قد يكون في حقيقته مظهرا من مظاهر النمو والرغبة في الاستقلال والإحساس بالقدرة الذاتية...ولذلك نصح سحنون الفقيه المالكي معلم ولده بقوله:لا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام،وليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف.-لأننا حينما نرغم الناشئة-على فعل ما نراه نحن صوابا بالقوة والقسوة دون سماع لرأيه أو نظر إلى وجهة نظره،فإننا نسهم بذلك في صناعة خاسرة تقدم للأمة أجيالا من القردة المدربة أو الحيوانات الأليفة.وما أتعس أمة هذه هي صفة رجالها ونسائها(7).وعليه إذا أردنا تكوين أجيال قوية فعلينا أن نؤهل المدارس التي تتعهدهم بالرعاية والتكوين،ونزودهم بالوسائل التربوية الضرورية للقيام بهذه الرسالة السامية،فحينما نحسن تربية أبناءنا فنحن بالضرورة نربي أنفسنا،ويُهاجم الباحث "الكسيس كاريل" القصور الحاد الذي تعاني منه الأنظمة التعليمية في إعداد آباء وأمهات المستقبل قائلا:يجب علينا منذ الآن أن نزود آباء المستقبل من جهة ، وطلبة مدارس المعلمين من جهة أخرى بالمعلومات التي تنقصهم حول سلوكهم في حياتهم الخاصة،وحول تربية الأطفال.فتربية الدجاج والغنم مهنة في أقصى السهولة بالنسبة لتربية صغار الكائنات البشرية ومع ذلك فإن كل من يرغب في تربية بعض الحيوانات لابد من أن يقضي فترة تدريب في إحدى المزارع أو مدارس الزراعة، ولو خطر ببال أحد أن يعد نفسه لهذا العمل بدراسة الأدب والرياضيات والفلسفة يعد مجنونا، ومع ذلك فغن هذا النوع من الجنون هو الذي ترتكبه فتيات اليوم، فمعظمهن لا يعرفن شيئا في حقيقة الأمر غير ما اشتملت عليه مناهج الدراسة، ونرى الواحدة منهن تصل إلى سن الزواج وهي على تمام الجهل بمهنتها كامرأة، فمن البديهي انه لابد من وجود مدارس خاصة بتعليم الشبيبة النسوية وظيفتها النوعية في المجتمع، فتتعلم الفتيات في هذه المدارس واقع الحياة وتكوين الأطفال بالطريقة العقلية.ويمكن أن تبرز بصورة مقتضبة أهم المآخذ التي تُميز التنشئة التي تُقدم للناشئة في المجتمع العربي الإسلامي

- القهر الفكري للأبناء ومصادرة آرائهم:

ويتجلى من خلال غلبة الإحباط وكسر الخاطر في التعامل مع الأطفال،وكأن العالم العربي أضحى يفخر بتناقل تركة القهر عبر الأجيال، إن الدراسات تشير إلى أن أكثر أساليب التنشئة الاجتماعية انتشاراً في الأسرة العربية هي أساليب التسلط والتذبذب والحماية الزائدة حسبما أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 الذي أضاف: هذا الأسلوب يؤدي إلى زيادة السلبية وضعف مهارات اتخاذ القرار لا في السلوك فحسب وإنما في طريقة التفكير حيث يُعوّد الطفل من الصغر على كبح التساؤل والاكتشاف والمبادرة.وهو ما يحبط الطاقات الإبداعية للأجيال نتيجة عدم الاعتراف بآرائهم ،وعدم تمكينهم من إبداء وجهات نظرهم،واتخاذ قرارات بدلا عنهم ، وهذا لعمري ناجم عن ضبابية في رؤية القائمين على تنشئة الأجيال حول طبيعة الغذاء النفسي الذي يجب أن يتلقاه النشء،كي يشب متمتعا بالصحة النفسية إلى جانب العناية بالصحة العضوية،ونتيجة ذلك أن الكثير من الآباء يتسببون في إلحاق الإعاقة الفكرية المزمنة بأبنائهم بحسن نية ،عن طريق الإسراف في الخوف على مصيرهم ،والتشكيك الدائم في قدراتهم،والوصاية المستمرة عليهم،والحجر على آرائهم،كل ذلك يحول دون تنمية ملكاتهم الفكرية،وقدراتهم الشخصية،فتقل ثقتهم بأنفسهم،وتضعف قدرتهم على تحمل المسؤولية،وتكون محصلة كل ذلك إنسانا مشوش التفكير ،مضطرب الرؤية للحاضر والمستقبل سمته التردد والتوجس من نفسه والآخرين.ويؤدي هذا الأسلوب القمعي المبني على مصادرة الآخر فكريا، إلى اجترار الأخطاء وحرمان النشء من بلورة شخصياتهم،ويلغي استقلالها ،من خلال كبح التعبير عن آرائهم منذ الصغر،مما يجعلهم يميلون إلى عدم المصارحة ومداراة الحقائق،واخفاء الأخطاء خوفا من العقاب والتوبيخ،والكذب في حالة انكشاف أخطائهم أمام الوالدين أو المعلمين،فتخلق هذه الوضعية غير السوية لدى الأطفال حالة من الصراع الداخلي والقلق المزمن ،نتيجة عدم الرضا عن النفس وتأنيب الضمير،وقد يؤدي عدم تدارك هذا الخلل التربوي إلى شيوع مرض التشاؤم واليأس والاضطراب،والاستسلام للأمر الواقع بكل ما يحمله من مآس وتناقضات. ويعبر وعالم لاجتماع ابن خلدون عن الانعكاسات المترتبة عن تربية القهر بالقول : من كان مرباه بالعسف أو القهر من المتعلمين أو الخدم،غلب عليه القهر،وضاقت نفسه،وذهب بنشاطها،وحمل على الكذب والخبث،خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه(8).وتشير كثير من الدراسات أن أغلب الأبناء عُرضة للجنوح والانحراف هم أولئك الذين نشأوا في بيوت يعوزها الاستقرار،ويميزها التأديب الأبوي المعيب المتسم بالعقاب الصارم،أو التراخي الشديد،أو التقلب غير المدروس بينهما.

- التمييز بين الأبناء:

حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مغبة عدم العدل في معاملة الأبناء والمغالاة فيذلك لأن ذلك مدعاة لظهور عواقب نفسية واجتماعية وخيمة،حيث روى الإمام أحمد بن حبان عن النعمان بن بشير عن النبي -صلى-(اعدلوا بين أبنائكم،أعدلها بين أبنائكم).وقال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).إن بذل لحب والصداقة ،والعطاء بدرجات غير متساوية للأبناء يوغر صدورهم،والتفريق بين الإناث والذكور،أوبين الإبن الأصغر والأكبر..ألخ ،كل ذلك من شأنه أن يحرك كوامن الحقد فيهم تجاه بعضهم ،وتجاه الوالدين،لذلك على الوالدين أن يتصرفا بوعي لأن هذه التصرفات تنعكس في مرآة الأبناء،فإذا لم يوفر الآباء المحبة والعطف والرحمة للأبناء بشكل منصف ولمس الأبناء هذا التمايز والمفاضلة بينهم ،فان ذلك سينعكس سلبا على النمو النفسي المتوازن للأبناء ويحول دون التآلف والتفاعل الاجتماعي المقبول مع الآخرين. وهكذا تكون عملية التنشئة الاجتماعية للأسرة خاطئة ينقصها تعلم المعايير والأدوار الاجتماعية السليمة، أو تقوم على اتجاهات والدية سالبة مثل التسلط والقسوة والإهمال والرفض والتفرقة في المعاملة بين الذكور والإناث والكبار والصغار والتذبذب في المعاملة،مما ينعكس سلبا على الصحة النفسية للأبناء حاضرا ومستقبلا.ويضر بشخصية الطفل،ويؤدي إلى تفشي ظواهر الغيرة والكراهية ،ويُكدر صفاء النفس،ونقاء الفؤاد. مما يستدعي معرفة طريقة تفكير الأبناء،وعدم الاستهانة بقدرتهم على التأويل والفهم والإدراك لما يحيط بهم، حتى يتسنى إصدار السلوكيات والقيام بالتصرفات التي تُساعد الناشئة على النمو النفسي والاجتماعي السليم.ولذلك فالتنشئة السوية تقتضي ضرورة العدل بين الأبناء،في الهدايا والعطايا،وفي التسليم والمصافحة،والتودد،مصداقا لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:(إن لهم عليك من الحق أن تعدل بينهم كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك)(رواه أبو داود).

- غياب القدوة المؤثرة:

مما يجعل الأطفال يعيشون أكثرمن عالم في حياتهم بفعل تضارب التوجيهات النظرية مع الممارسات العملية،مما يُحيل عملية التنشئة الاجتماعية إلى صورة باهتة لا روح فيها،غير قادرة على شحذ همم الصغار للتمسك بالتعاليم التي تريد إبلاغها إليهم.

فمرة واحدة من القدوة السيئة تخرب كل ما بقى من الخلق الحسن، كأن يعود الأبوان أطفالهم على الصدق ويلقنوهم أهمية الصدق ويكافئوهم عليه فينشأ الأطفال على الصدق، حتى إذا كذب أبوهم أو أمهم مرة واحدة أمامهم انهار ذلك البناء كله، فقد يقول أبوهم لأمهم وهي ترد على الهاتف:" قولي له أني غير موجود" عندئذ يكتشف الأطفال أن والدهم -الرجل العظيم في نظرهم- يكذب فتنهار فضيلة الصدق عندهم ولا يبقى لها معنى، وما أكثر ما يقع الآباء المسلمون في مثل هذه الأخطاء القاتلة"(9).فمعاملة الوالدين للأبناء يجب أن تكون منطلقة من مبادئ تربوية واضحة بعيدة عن التضارب والتناقض،فلا يأمران الطفل بما لا يقويان على الالتزام به،ولا يُمدح اليوم على فعل يُعاقب عليه غدا ،ولا يرتكبان ما ينهيان طفلهما على إتيانه.حكمت إحدى المحاكم على سارق بعقوبة قطع اليد،وقبل تنفيذ الحكم صاح المتهم بأعلى صوته قائلا:قبل أن تقطعوا يدي اقطعوا لسان أمي،فقد سرقت أول مرة في حياتي بيضة من جيراننا قلم تُؤتبني،ولم تطلب الي إرجاعها إلى الجيران،بل زغردت وقالت:الحمد لله لقد أصبح ابني رجلا،فلولا لسان أمي الذي زغرد للجريمة لما كنت في المجتمع سارقا.وكما أن كثيرا من الأطباء يقتلون مرضاهم بحسن نية ،فإن كثيرا من الآباء والأمهات يقودون أبناءهم بسوء إدراكهم لدورهم التربوي والتوجيهي إلى غيا هيب السجون التي هي موت بطيء.

- اللامبالاة:

بفعل الإسراف في الكلام غير المقرون بالفعل،وتراكم الوعود الزائفة ،يغيب مفعول الكلمة كمسؤولية،وتفقد قداستها،ويعتاد الأطفال على عدم احترامها ،فتصبح معول لتمزيق الروابط الاجتماعية بعد أن كانت آلية للتواصل والتلاحم الاجتماعين،فالطفل لا يحتاج إلى طعام وشراب فحسب،بل هو أحوج إلى الرعاية المعنوية قبل المادية،إلى حضن دافئ،ويد حانية،وقلب رحيم حتى يستطيع أن يتذوق هذه المعاني وينقلها إلى الآخرين في تعامله معهم.ومن أجل ذلك كانت الأسرة محطة أولى وأساسية في حياة الطفل،ولايمكن أن تعوض دورها مؤسسة أخرى مهما كانت كفاءة الخدمات التي تقدمها لروادها،وهذا ما أكد عيه الإمام الغزالي بقوله أن الصبي إذا أهمل في ابتداء نشوئه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما،ذا فضول وضحك ومجانة،وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب.ويقول الباحث 'أشلي مونتاجيو' في كتابه كيف نساعد الأطفال على تنمية قيمهم الخلقية:( لقد أظهرت دراسة الأطفال الذين أمضوا حياتهم الأولى في المستشفيات،أو المؤسسات الأخرى أن الطفل يحتاج إلى أشياء أخرى أكثر من إرضاء حاجاته الجسمية،لقد كان هؤلاء الأطفال يطعمون ويستحمون،ويُعنى بهم بأحسن طريقة علمية سليمة،ولكن كان ينقصهم الرعاية الشخصية الدفيئة،التي تقدمها الأم عادة لطفلها،كان ينقصهم الشعور بالمساعدة والتشجيع،كان ينقصهم الشعور بأن هناك من يحتاج إليهم،وباختصار كان ينقصهم الحب الحقيقي.هؤلاء الأطفال كانوا كلما كبروا صاروا غير اجتماعيين،يُضمرون العداء للمجتمع،وكانوا غير مطمئنين يملؤهم الخوف والقلق،وكانوا في معظم الحالات لا يستطيعون منح الحب لغيرهم. وفي ذلك يقول الباحث "آشلي مونتاجيو" من خلال تحليله لعينة من الدراسات حول الأطفال أن الإجرام والعنف العصبي والتقيد النفسي والتصرفات الاجتماعية الشاذة وغيرها من اضطرابات السلوك يمكن تفسيرها جميعا بالحرمان الذي يكون قد عاناه الشخص خلال فترة طفولته(ويضيف قائلا)... والواقع أن الصورة التي يكونها (الطفل عن العالم راجعة بالدرجة الأولى إلى العلاقة التي تقوم بينه وبين أمه، فإما أن تترك هذه الصورة في نفسه انطباعات عن عالم ودود أو عالم معاد تبعا لما كان عليه حاله مع أمه محبوبا أو غير محبوب، فمن لم يلق عطفا أبدا كيف يستطيع أن يعطيه؟

7- التنشئة الاجتماعية وتحديات الثقافة الكونية:

وهنا تُثار عدة تساؤلات جوهرية مُفادها، مامدى مساهمة الفضاءات الجديدة للتنشئة الاجتماعية في نحت الأنا الثقافي المجتمعي لجيل معين؟ وأين نحن من التوازن الاجتماعي المنشود في ظل الفجوة الرقمية التي تتزايد بين الشعوب وبين الفئات قي المجتمع الواحد؟هل المضامين السمعية البصرية الحديثة أداة عصرية لاحتواء وتمرير القيم التربوية والأخلاقية والعلمية عموما،أم أنها وسيلة للتحرر من كل الضوابط القديمة...لدى جيل يتطلع باستمرار وبنهم للتحرُّر...وإذا كانت التنشئة الاجتماعية تفرض محتوى وأن هذا المحتوى يتطلب منهجية معينة في نقله للفئة المستهدفة من الفعل التربوي عموما.فكيف تتعامل وتتفاعل هذه الأخيرة مع ذلك الكم الهائل من المعلومات والعدد التصاعدي من القنوات ومواقع الواب؟هل تنتقي المحتوى،أم تربطها بها علاقة استهلاكية بحتة ؟(10). إن الاندماج الثقافي في مجتمعات الغد يحمل في أبعاده نوعا من التقديس للثقافة العالمية مع تباعد عن الثقافة المحلية وإضفاء سمة المعاصرة والحداثة على السلوك الذي ينزع نحو العولمة ضد التقليدية والمحلية(11).وهو ما يجعل كثيرا من التساؤلات المطروحة اليوم تتسم بطابع المشروعية ،بل تصنف في خانة الأسئلة الملحة التي تحتاج إلى إجابات عاجلة لا تحتمل التأجيل من مثل: هل المجتمعات العربية والإسلامية لا تزال إلى اليوم تقوم بهذه المهمة –التنشئة الاجتماعية- دون تحديات؟ وإذا كانت تلك المجتمعات فعلاً تواجه تحديات في سبيل قيامها بهذه المهمة فما هي طبيعة تلك التحديات؟ أهي تحديات ذاتية نابعة من ذات المجتمع، أم أنها تحديات خارجية آتية من الخارج، أم أنها تأتى من هذا وذاك؟ وما هي يا ترى سُبل التغلب على تلك التحديات كي تحقق مجتمعاتنا تنشئة سليمة لأجيالها ؟
بداية إذا نحن أقررنا من حيث المبدأ أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية التي تشكل هويته الذاتية، ويسعى جاهدا إلى المحافظة عليها وصيانتها من الاندثار والاندحار تحت وطأة وهيمنة الخصوصيات الثقافية للمجتمعات الأخرى، جاز لنا القول بأن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتعرض اليوم لتحديات كثيرة تهدد خصوصيتها الثقافية. ذلك أن ثقافتنا العربية والإسلامية تنطوي على العديد من المبادئ والقيم الموجهة لسلوكنا ونظرتنا للكون والحياة، هذه المبادئ والقيم تتعرض اليوم إلى جملة من التحديات تهدد وجودها وبقاءها، حيث أصبحت التنشئة الاجتماعية عاجزة عن تكريس تلك المبادئ والقيم في النفوس بفعل تلك التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها مجتمعاتنا المعاصرة(12).

وهكذا يرى البعض أن تدافع هذه الموجة من الزخم الإعلامي على مشاهد الشباب المسلم في غياب الوعي الثقافي والديني أو هشاشته من شأنه أن يؤدي بالأجيال من الشباب وصغار السن في عالمنا العربي و الإسلامي إلى الانسياق نحو التقليد السلوكي لما تحمله الأفلام و الأغنيات و البرامج الكمبيوترية القادمة من الغرب و التي تحمل في طياتها خصائص الثقافة العالمية التي يسعى الغرب لجعلها الثقافة الوحيدة في هذا العالم بينما هي ثقافته الأصلية (أي الغرب) التي تخدم أهدافه، إلا أنها خلقت مشكلات الانشقاق لأجيال الشباب في العالم الثالث عموما وفي المجتمع العربي المسلم على وجه الخصوص.

وهكذا بات واضحا أن المجتمع العربي الإسلامي لم يهيأ بالشكل الكافي للتعامل الايجابي مع عصر المعلومات، مما يؤدي إلى انفصال الحاضر عن الماضي. وبما أن المجتمع هو خلاصة الماضي المركزة في الحاضر فإن هذا الانفصام الزمني الثقافي يقود المجتمعات إلى ضياع الذات وغياب الوعي بالشخصية والعجز عن تشكيل محددات السلوك وفقا لقيم المجتمع وجذوره الضاربة في عمق التاريخ. وإذا انفصل الماضي عن الحاضر ضاعت معالم الغد سهل الاختراق الثقافي مما يجعل المجتمعات تقف في حيرة أمام مفترق الطرق نتيجة لعدم استمرار الدعم التاريخي للوجود المعاصر لهذه المجتمعات.ومما يزيد من حدة التحديات في الظروف الراهنة الطغيان الكوني لنموذج العولمة الذي يقوم على تهميش واسعة النطاق لكثير من السلطات التقليدية الموروثة، مثل سلطة الدولة وسلطة المدرسة وسلطة الأسرة والمجتمع والقبيلة، وتُوسع في الوقت نفسه من مدى الحرية الشخصية على حساب الرقابة الاجتماعية. وبالتالي بات لزاما البحث الجدي في الأساليب الكفيلة بالتكيف الأمثل مع هذا العالم المعقد،ولعله واحد من الإشكاليات المستديمة التي تطرح في مختلف الثقافات.

وحتى تقف الأجيال الحاضرة في وجه التحديات التي تفرضها ثقافة العولمة،غير منغلقة على الحاضر معتزة بأصالتها لابد من من العمل على ربط مختلف مكونات النسق الاجتماعي ببعضها البعض،من خلال إعادة إنتاج منظومة القيم والمعاني والمعايير الاجتماعي ،وترسيخها في نفوس الناشئة،فالفاعلين الاجتماعيين يرتبطون مع بعضهم من خلال جملة من الأدوار توجهها قيم ثقافية تم إنتاجها عبر آليات التنشئة الاجتماعية،التي هي بمثابة بناء شخصية الكائن الإنساني من خلال تمثله لشبكة العلاقات القائمة بين الأدوار الاجتماعية ،وحتى لاتتضارب الأدوار وتضطرب التنشئة الاجتماعية بات لزاما مضاعفة الجهود بغرض تحقيق التكامل بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة وخاصة الرسمية منها، لتفادي التناقض في الأهداف والمضمون فيما تقدمه للناشئة في المجتمع.ضمانا لاستثمار معلومات الناشئةاللامدرسية،ومساعدتهم على حسن توظيف ما تعلموه في المدرسة وترجمته على صعيد الواقع المعيش.وهكذا دواليك بالنسبة لباقي مؤسسات التنشئة الأخرى،ولن يتأتى ذلك إلا بالتنسيق والتخطيط الجيد على مختلف المستويات.

إن الواقع الراهن يستدعي العمل بالتدريج للقضاء على بقايا ثقافة الرأي الواحد وإشاعة ثقافة التنوع والتعدد وقبول الرأي المخالف من خلال اعتماد أسلوب الترغيب والترهيب ،وتبني الحوار والمصارحة والأسلوب القائم على الفكر والعقل وليس على مجرد الرغبة في التأثير،وتجنب ما أمكن أساليب القسوة والعنف والعقاب إلا عند الضرورة القاهرة. وهذا لابد أن يوجد على كافة المستويات في التعليم والإعلام وغيرها،فالآباء مطالبون بالتقرب من أبنائهم ومصادقتهم والتعرف إلى ميولهم ورغباتهم ومساعدتهم على إشباعها في حدود ماتسمح به تعاليم دينهم الحنيف،وتزويدهم بكل عوامل المناعة الذاتية ضد السموم التي يطفح بها عالم الشاشة المنفلت في الغالب الأعم،وحبذا لو وفروا بعض الوقت لمشاهدة طائفة من البرامج مع أبنائهم،ومساعدتهم على تحليلها وفك غوامضها،ونقدها،انسجاما مع المنظومة الثقافية للمجتمع المسلم ، واستكمالا لجهود المدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية الأخرى في هذا المضمار.حتى نتمكن من تكوين عقل مؤمن وإيمان عاقل.

الخاتمة:

التنشئة الاجتماعية هي عبارة عن الإسمنت المسلح الذي يربط مختلف مكونات النسق الاجتماعي ببعضها البعض،من خلال إعادة إنتاج منظومة القيم والمعاني والمعايير الاجتماعي ،وترسيخها في نفوس الناشئة،فالفاعلين الاجتماعيين يرتبطون مع بعضهم من خلال جملة من الأدوار توجهها قيم ثقافية تم إنتاجها عبر آليات التنشئة الاجتماعية،التي هي بمثابة بناء شخصية الكائن الإنساني من خلال تمثله لشبكة العلاقات القائمة بين الأدوار الاجتماعية ،وكذا مضمون هذه العلاقات ومعانيها لأنه على ضوء ذلك تتحدد طبيعة العلاقة القائمة بين المستويين الاجتماعي والثقافي المشكلان للنسق الاجتماعي.ولاشك أن مهمة التنشئة الاجتماعية أضحت اليوم مسؤولية أصعب من أي وقت مضى ،فمع تعدد المؤسسات الراعية للناشئة،وتنوع الاتجاهات والنزعات،بات قي حُكم العسير ضبط التنشئة حسب إيقاع محدد،مما يجعل من الضروري التزام أسلوب المرونة في التعاطي مع مختلف البرامج والمخططات مع الحرص الدائم على تنمية شخصية الفرد وبناء ذاته بصورة متوازنة تقوى على مواجهة الصعاب،والتكيف مع التحديات دون الانصهار فيها.ولن يأخذ الوجود الثقافي للمجتمع في الظروف الراهنة أبعاده الحقيقية إلا إذا تم تهيئة الأرضية التربوية الملائمة عن طريق تنمية المتعلم،وتزويده بكل الآليات التربوية التي تجعل منه قوة فاعلة وقادرة على أن تعيش عصرها دون أن تفقد إحساسها بذاتها،شخصية قادرة على الأخذ والعطاء والتفاعل والإثراء.تحقق ذاتها ،وترسم بصماتها الحضارية على المشهد الثقافي للقرية الكونية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
د.احمد جميل
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: رد: التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون   12/8/2009, 00:02

المصادر والمراجع:

1- محمد إبراهيم عايش وآخرون،‘أنماط المشاهدة لبرامج الأطفال في محطات التلفزة المحلية العربية ،مجلة شؤون اجتماعية،ع76،السنة19 ،جمعية الاجتماعيين ،الشارقة،2002،ص68.

2-معن خليل عمر، التنشئة الاجتماعية، دار الشروق، عمان،2004، ص17.

3- عبد الرحمان النحلاوي،أصول التربية الإسلامية وأساليبها،دار الفكر المعاصر بيروت ،دار الفكر دمشق،ط2 1999، ص27.

4- معن خليل عمر ،المرجع السابق،ص46.

5- درة شلبي منصور،وسائل الإعلام والاتصال والتنشئة الاجتماعية،مجلة الإذاعات العربية ع01،اتحاد الإذاعات العربية ،تونس،2006،ص53.

6- مطاوع محمد بركات :العدوان والعنف في الأسرة،عالم الفكر،ع4، مجلد 27 ،الكويت، أفريل/يونيو 1999،ص266-267.

7- علي وطفة، مظاهر الاغترابية في الشخصية العربية، عالم الفكر،ع2، مجلد 27 ،الكويت، ديسمبر1998، ص262.

8- محمد سليم العوا،القيم والتربية،أعمال المؤتمر الثقافي السابع –الثقافة والقيم-جامعة السلطان قابوس،سلطنة عمان ط1 2002،ص57.

9- عبد الرحمان بن خلدون،المقدمة، دار الكتاب اللبناني،بيروت(د.ت)،ص1043 .

10- عبد الله محمد الفوزان ، التنشئة الاجتماعية والتحديات المعاصرة.

http://www.adabihail.gov.sa/03_05_38.htm.

11- المرجع نقسه،ص03.

12- المرجع نفسه،ص07.




الرئيسيةهيئة التحريرقواعد النشرعن الموقعبحوث ودراساتآراء وأفكارندوات ومؤتمراتمراجعة كتبعرض أطاريحموسوعات أعداد سابقةمطبوعاتمواقع ذات صلة

اتصل بنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

التنشئة الاجتماعية في عصر الثقافة الكون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» اجمل احساس في الكون
» احتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب ::  :: -