منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب
عزيزي الزائر الكريم
انت لم تسجل في المنتدى بعد، عليك الضغط على زر التسجيل ادناه لتتمكن من مشاهدة ‏جميع الصور والروابط في المنتدى، والمشاركة معنا.ان امتناعك عن التسجيل يعني ‏حرمانك من مزايا المنتدى الرائعة .‏

منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب

المنتدى العربي الاول في الانثروبولوجيا - نحو أنثروبولوجيا حداثوية
 
الرئيسيةس .و .جالبوابةبحـثدخولالتسجيلالتسجيلإتصل بنامن نحن
اهلا بكم زوارنا واعضاءنا الافاضل في منتداكم منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب
بشرى سارة: نود ابلاغكم بأنه تم افتتاح صفحتنا على الفيس بوك لاجل توفير الخدمات لكم ولاجل التواصل معكم
تنبيه: الى جميع الاخوة الاعضاء الرجاء عدم وضع اي اعلان ترويجي لصالح اي منتدى او مؤسسة او منظمة اهلية او حكومية وبخلافه سوف يتم مسح الاعلان والغاء عضوية الفاعل ... شاكرين لكم تعاونكم معنا
المنتدى يوفر لكم الكتب والرسائل والاطاريح وكافة الاستشارات والاسئلة لكي نساعدكم في انجاز دراساتكم
ساعة فلاشية
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» ضروري للأهمية
7/7/2014, 22:17 من طرف موني خوالدي

» ماليزيا .. سحر شرق آسيا ومتعة التعلم
7/7/2014, 21:50 من طرف damascus

» متجر همسة دلع
7/7/2014, 21:41 من طرف damascus

» تحميل مجموعة كبيرة من رسائل الماجيستير في علم الاجتماع
6/7/2014, 22:50 من طرف shathashtha

» كيف تكتشف اذا كان فى بيتك مدمن
19/6/2014, 07:56 من طرف damascus

» سوق العرب للإعلانات المجانية
12/6/2014, 17:25 من طرف damascus

» مجموعة كبيرة من اطاريح الدكتوراه ورسائل الماجستير
11/6/2014, 17:06 من طرف هيلا ال فاضل

» مشكلة في عرض الاثنوغرافيا
8/6/2014, 12:22 من طرف safa ddz

» الاثنوغرافيا... والاثنولوجيا.... الاناسة
8/6/2014, 12:22 من طرف safa ddz

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
إبراهيم حسن - 2169
 
تقوى الرحمان - 443
 
طالبة دكتوراه - 240
 
سعيد الجزائري - 178
 
كوردستان - 121
 
alalkoora1990 - 106
 
ذكرى الحلوة - 100
 
alisaiddz - 95
 
د.احمد جميل - 81
 
طالبة ماجيستير - 75
 
يمنع النسخ
عدد زوار موقعك

.: عدد زوار المنتدى :.

اهلا بكم
شاطر | 
 

 موقف زكي نجيب محمود من التراث العبي الإسلامي، قراءة فير كتابه "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكر"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
alisaiddz
عضو نشيط
عضو نشيط



مُساهمةموضوع: موقف زكي نجيب محمود من التراث العبي الإسلامي، قراءة فير كتابه "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكر"   9/8/2011, 23:07

موقف زكي نجيب محمود
من الثرات العربي الإسلامي
قراءة في كتابه "المعقول واللامعقول في ترثنا الفكري"
عرض ونقد علي سعيد
تعد قضية التراث الفكري من أبرز القضايا التي تواجه العقل العربي في المرحلة الراهنة، بل يمكن القول بدون أدنى مبالغة أنها أخذت تحتل مكان الصدارة في الفكر العربي المعاصر، وتثير حوارا خصبا بين الباحثين والمفكرين على اختلاف اتجاهاتهم السياسية ومواقفهم الاجتماعية والإيديولوجية.
ولو تساءلنا عن الظروف والملابسات التي جعلت هذه القضية تتصدر القضايا الفكرية والثقافية في هذه المرحلة الدقيقة لأمكننا بوجه عام أن نوجزها في سببين رئيسيين: الأول يتجلى في تطور الوعي بأهمية وضرورة إعادة النظر في موقفنا من تراثنا الفكري: أي إعادة النظر في علاقة حاضرنا بماضينا، هذه العلاقة التي ما تزال تحمل إلى حد الآن الكثير من سمات التزمت والتقوقع والجمود. وهذا يعني تنامي الإحساس بضرورة تركيز عملية المراجعة على طبيعة هذه العلاقة ونوعيتها وجوهرها بهدف تغييرها وتصحيحها وإزالة ما بها من شوائب ونقائص. وفي هذا السياق لا بد من أن نؤكد على أن الصلة بيننا وبين تراثنا بمختلف أنواعه وأشكاله لم تنقطع في أي مرحلة من مراحل تاريخنا الاجتماعي والفكري والحضاري كما يرى بعض الدارسين (1)، بل ظلت هذه الصلة مستمرة ومتواصلة، لكنها تعرضت للتشويه والتحريف بفعل عوامل تاريخية لا يتسع المجال لتناولها بصورة مستفيضة في هذا المقام ، وإنما يمكن الإشارة باختصار إلى أن الغزو الأجنبي يعد من العوامل الرئيسية لهذا التشويه، لذلك فإن ما ينبغي التركيز عليه هنا هو البحث في بعض أشكال إعادة النظر في العلاقة بين الحاضر والماضي، فتلك هي المسألة الرئيسية في موضوعنا .
في هذا الإطار يمكن أن نتساءل عن ماهية علاقتنا بتراثنا الفكري، وهل إعادة النظر فيها مسألة ضرورية أم هي من قبيل الترف الفكري؟.
استنادا إلى معطيات الوضعية الفكرية والثقافية الراهنة، يمكن التأكيد بأن احتداد الصراع حول مفاهيم التراث والمناهج المستخدمة في بحثه ودراسته يشكل أحد المؤشرات الرئيسية على مدى الحاجة إلى تأسيس رؤية جديدة إلى تراثنا، رؤية تستجيب لمتطلبات التطور الاجتماعي والفكري والثقافي ، ومطامح القوى الاجتماعية التي لها مصلحة أساسية في هذا التطور. وهذا أمر تمليه طبيعة الأشياء، فالصراع هو الأداة المحركة والأكثر فعالية لإحداث تغيير كيفي في موقفنا من تراثنا، أي إيجاد علاقة نوعية بين الحاضر والماضي تستجيب للمهام والأهداف المطروحة على حركة التحرر الوطني العربية في هذه المرحلة.
هذا هو العامل الأول، أما العامل الثاني فيرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة هذه المرحلة، التي يجتازها مجتمعنا العربي، سواء على المستوى القطري أو على المستوى القومي.
هذه المرحلة تتميز على الصعيد المحلي باستفحال التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما تتميز باشتداد الصراع الطبقي بين القوى الثورية التي تناضل من أجل التغيير الجذري للواقع المتخلف من جهة، والقوى الرجعية التي تتصدى بكل شراسة للحيلولة دون أي تغيير يهدد مصالحها وأهدافها الطبقية.
أما على المستوى القومي، فإن الأمة العربية تواجه في هذه المرحلة أخطر أشكال التحديات المتمثلة في تحالف القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية التي تشكل مجتمعة العدو الرئيسي للأمة العربية وحركتها التحررية. وإزاء هذه الوضعية المتنامية في خطورتها، والحافلة بشتى أشكال التناقضات والصراعات والتحديات محليا وقوميا، كان لا بد لمختلف القوى السياسية والاجتماعية المتواجدة على ساحة الصراع أن تصوغ مفاهيمها وتصوراتها في الميدان الفكري والثقافي والإيديولوجي. ومن هذه المفاهيم النظرة إلى قضية التراث التي تشكل عنصرا هاما في الصراع الفكري والإيديولوجي المرتبط بالصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا تعددت الرؤى وأوجه النظر في هذا التراث، وكانت حصيلة هذه الرؤى المتعددة، بروز اتجاهات وتيارات متناقضة ومتصارعة حول تراثنا الفكري، وهي تيارات تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ( تيارت سلفية وليبرالية وتقدمية ورجعية إلخ ).
وفي هذا العرض نتصدى لمناقشة أحد هذه الاتجاهات، وهو اتجاه يمثله أحد الرموز البارزة في الفكر العربي المعاصر، وهو الدكتور زكي نجيب محمود، وذلك من خلال كتابه " المعقول واللامعقـول في تراثنا الفكري (2).
- أ -
يطرح الدكتور زكي نجيب محمود في هذا الكتاب قضية تراثنا الفكري، متوخـيـا تـقـديـم وجهة نظره في كيفية إيجاد صيغ ملائمة لتصحيح علاقتنا بتراثنا الفكري، وذلك من خلال صيغة "الأصالة والعاصرة" التي ما فتئ يلح عليها في العديد من مؤلفاته وأبحاثه .
وليست هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها زكي نجيب محمود قضية التراث بشكل مفصل، فقد سبق له أن أصـدر كتابا في نفس الموضـوع في أوائل السبعينات، وهـو "تجديد الفكر العربي "الصـادر عـن (دار الشروق- بيروت سنة 1971)، لكن هذا الكتاب لم يتناول التراث العربي بشكل متكامل، بقدر ما كان يرمي إلى تقديم نماذج متنوعة تصلح أن تكون مثالا لتجديد الفكر العربي في صيغة الأصالة والمعاصرة .
أما كتابه "المعقول واللا معقول في تراثنا الفكري" فـقـد كـرسـه لـدراسـة الـتـراث الـعـربـي الإسلامي بصورة أعـم وأشمل، بحيث يمكن أن يعتبر نموذجا لكل جهوده وأبحاثه التراثية.
يتضمن الكتاب محورين رئيسيين: الأول طريق العقل، ويمثل الجانب العقلاني في التراث العربي الإسلامي بمختلف صوره وأشكاله (ص 15 ـ 353). والثاني سماه الكاتب "شطحات اللاعقل، ويشمل العناصر الخرافية التي تتصادم مع العقل مثل التصوف والتنجيم وممارسة الطقوس السحرية، بالإضافة إلى كافة المواقف والنظرات والمفاهيم والأفكار المضادة للتفكير العلمي والنظر العقلي ( ص 357 ـ 464 ). ومن خلال هذين المحورين المتضادين يتقصى الباحث التراث الفكري العربي الإسلامي على امتداد خمسة قرون، ابتداء من القرن السابع الميلادي إلى القرن الثاني عشر. ويقع الكتاب في 495 صفحة من القطع المتوسط، تتوزع على عشرة فصول متفاوتة الحجم، بالإضافة إلى فهرس تحليلي لمادة الكتاب.
وقد لجأ المؤلف إلى توزيع فصول كتابه على قسمين كبيرين: أحدهما يضم سبعة فصول كرسها للتراث العقلي، والقسم الثاني يشمل بقية الفصول، ويتناول الـوجـه الآخـر للفكر العربي، أي العـناصـر اللاعقلية أو المضادة للنظـر العقلي والفكر العلمي ( شطحات اللاعقل على حد تعبير الكاتب ).
وعلى الرغم من هذا التصنيف الذي يضع حدودا فاصلة بين الجوانب العقلية واللاعقلية في تراثنا، إلا أن المؤلف لم يستطع الفصل بينهما بصورة حاسمة على الصعيد التطبيقي. والواقع أنه لا يمكن من حيث المنهج وضع حدود فاصلة بين المعقول واللامعقول في تراثنا، سواء أكان ذلك على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الفكري. وهذا ما تجلى للباحث منذ البداية، حيث أدرك أن الضرورة المنهجية تقتضي دراسة الجانبين المتناقضين معا اللذين يرتبطان ببعضهما ارتباطا جدليا، وخاصة المواقف السياسية والاجتماعية.
ويلفت الكاتب نظرنا في المقدمة إلى أن التراث العقلاني قد نال قدرا أوفر من عنايته واهتمامه كما وكيفا، وتعليل ذلك يتجلى في قوله "وتعمدت أن يجيء القسم الأول (طرق العقل) أكبر القسمين، لتكون النسبة بين الحجمين دالة على النسبة التي أراها واقعة في حياتهم الفعلية بين ما وزنوه بميزان العقل وما تركوه لشطحات الوجدان ( 3 ).
ويمكن أن نضيف تعليلا أخر لهذا التفاوت يرتبط بالهدف الذي يتوخاه الكاتب، وهو الكشف عن الجوانب المضيئة والمشرقة في تراثنا الفكري والدعوة إلى استلهامها والإفادة منها في بناء حاضرنا وتصور مستقبلنا. فهو يرى أن التعلق بهذا الجانب المشرق لتراثنا يؤدي إلى تعزيز أصالتنا وتأكيد ارتباطنا بجذورنا التاريخية والحضارية، وفي نفس الوقت يساعدنا على استيعاب وتمثل الثقافة الحديثة والعلم الحديث. ولعل هذا ما يفسر إلحاحه إلى وجوب الاحتكام في البحث عن حلول لمشـاكلنا الحاضرة إلى نفـس المعايير التي احتكم إليها أجدادنا في حل مشكلاتهم الخاصة (4).
ولما كان من الصعب بمكان في هذا السياق إجراء تحليل شامل لمادة الكتاب، نظرا لضخامة حجمه وغزارة القضايا والمسائل التي تناولها، كان لا بد من الاقتصار في هذا العرض على إبراز خطوطه الرئيسية بالقدر الذي يتسنى لنا تكوين نظرة نقدية موضوعية عن مضمونه.
في القسم الأول من الكتاب يحدد زكي نجيب محمود تاريخية تطور العقل العربي في أربعة مراحل أساسية طبقا للحقبة التي درس فيها هذا العقل، وهي على أية حال مراحل افتراضية كما سنرى .
1 – مرحلة الوعي الفطري:
وهي في نظر الباحث أولى مراحل الإدراك العقلي عند العرب، وتمتد من بداية العصر الراشدي إلى نهاية العصر الأموي. والخاصية الأساسية التي تطبع هذه المرحلة تتجلى في ظاهرة الاحتكام إلى الفطرة أو البديهة في التصدي للمشاكل الطارئة ومعالجة شؤون الحياة المختلفة. (ويمكن الاعتراض على هذه البداية في عملية تحقيب العقل العربي بتجاهل المؤلف للبدايات الأولية الحقيقية لهذا العقل والتي تعود إلى العصر الجاهلي أو عصر ما قبل الإسلام ).
2 – مرحلة الوعي العلمي:
وتشمل القرنين: الثاني والثالث الهجريين. ويرى الباحث أن العقل العربي استطاع خلال هذه الفترة أن يحقق قفزة نوعية في تطوره، وتتمثل هذه القفزة في انتقاله من مستوى الوعي الحسي الـفـطـري الجزئي في مـواجهـة القضايا إلى مستوى التجريد والتعميم واستنباط القوانين العامة والكلية، وقد اتخذ الكاتب مـن الـدراسـات العـلمية في المجال اللغوي نموذجا لهذه النقلة النوعية .
3 – مرحلة الوعي الفلسفي المجرد:
وهي الفترة التي ارتقى فيها العقل العربي إلى أعلى درجات التجريد والتعميم، وذلك "بضم أشتات القواعد النظرية وتوحيدها في مبادئ أعم وأكثر تجريدا" (5). وتضم هذه المرحلة القرنين: الرابع والخامس الهجريين، (التاسع والعاشر الميلاديين).
ويرى زكي نجيب محمود أن الوعي النظري الفلسفي في هذه المرحلة قد تجلى في فكر إخوان الصفاء، والفلسفة اللغوية عند ابن جني، والإنتاج الفكري لأبي حيان التوحيدي وغيرهم من رموز الفكر النظري والفلسفي.
4 – مرحلة الوعي الصوفي:
وهي المرحلة التي تخطى فيها الوعي العربي حدود العقل والتجربة ليقتحم فضاء جديدا هو فضاء الإلهام الصوفي. ويـرى المـؤلـف أن مـصـدر الوعي الصوفي هو عبارة عن نبع ذاتي باطني، أي أنه وعي ناتج عن الحدس أو الإدراك المباشر دون مقدمات ذهنية مسبقة.
وكما اعتنى الباحث بتحديد الأطر الزمنية التي تطور خلالها العقل العربي، وهي أطر افتراضية كما أسلفنا القول، فقد كان حريصا على إبراز القضية الفكرية الرئيسية التي احتلت الصدارة في كل مرحلة. ففي مرحلة الوعي الفطري تصدرت المشكلات السياسية والاجتماعية كافة القضايا التي واجهت العقل العربي، وتتمثل هذه القضية في مسألة الخلافة أو مسألة السلطة بتعبيرنا الحديث. فالصراع بين الفرق أو الأحزاب حول هذه المسألة قد اكتسى طابعا سياسيا في العصرين الراشدي والأموي.
أما المرحلة الثانية فقد أوجز الباحث القضية الرئيسية التي طرحت أثناءها بقوله "هل يكون الأساس في ميادين اللغة والأدب مقاييس يفرضها المنطق لتطبق على الأقدمين والمحدثين على السواء، أم يكون الأساس هو المعطيات أو السابقات التي وردت على ألسنة الأقدمين فنعدها نموذجا يقاس عليه الصواب والخطأ" (6).
والمرحلة الثالثة كان السؤال الرئيس الذي طرح فيها يدور حول الموقف الذي يجب اتخاذه من الفكر اليوناني والثقافة الدخيلة بصورة عامة. ويشير الباحث أن العلماء والمفكرين والنخبة بصفة عامة في هذه المرحلة قد انقسموا بصدد القضية المطروحة إلى تيارين متصارعين: أحدهما يدعو ويلح على ضرورة الانفتاح على الثقافة اليونانية والأجنبية عموما، والإفادة منها من أجل تطعيم الثقافة العربية وإغنائها بألوان المعرفة الدخيلة كي تكتسب صبغة جديدة تتلاءم مع حاجيات ومتطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي عرفه المجتمع العربي الإسلامي في تلك الفترة، والتيار الثاني يتبنى موقفا متزمتا انعزاليا يتجلى في رفض الانفتاح و الاتصال بروافد ومصادر المعارف والثقافات الأجنبية بحجة المحافظة على أصالة الثقافة العربية وطابعها الذاتي.
وتأتي المرحلة الأخيرة، حيث يبلغ العقل العربي في صيرورته وتطوره ذروة التوهج والتألق. وكأنما قد استنفد كل طاقاته الإبداعية، فكان لا بد أن يخلي الساحة للرؤية الصوفية الوجدانية. وما يثير الانتباه هنا هو إدراج الباحث هذه المرحلة ضمن مراحل الـتـطـور الـعـقـلـي، مـع أن الـرؤيـة الـصـوفـيـة فـي واقـع الأمـر مـنـاقـضـة للـنـظـر العـقـلـي. وإلى هنا يـتـم تـتـويـج الـقـسـم الأول مـن الـكـتـاب.
ونمضي مع الكاتب في القسم الثاني من كتابه، وهو القسم الذي أفرده لدراسة الوجه الآخر من تراثنا الفكري، وهو جانب اللامعقول. ويبدأ دراسته لهذا القسم بتحديد الجوانب اللاعقلية مـن هـذا التراث، ويـحـرص عـلى إيـراد نماذج وصور مختلفة تشخص هذا الجانب، وهي الشطحات الصوفية والتنجيم وممارسة السحر إلخ، ويخلص من ذلك إلى التأكيد على ضرورة إعدام هذه الجوانب التراثية من حياتنا التي لا تزال مخلفاتها ورواسبها عالقة بأذهان وسلوك بعض الأوساط الفكرية والثقافية والاجتماعية إلى يومنا هذا .
- ب –
قبل كل شيء لا بد من الإشارة إلى أن الفهم الصحيح لأية ظاهرة اجتماعية أو فكرية مرتبط باستخدام منهج علمي صـحـيـح، وبالـقـدرة عـلـى تـطـبـيـقـه بـمـهـارة فـائـقـة على الظاهـرة المطروحة على بساط البحث، ومراعاة نوعيتها وخـصـوصـيـتـهـا. وعـلـى هـذا الأسـاس يـسـتـنـد تـقـيـيـمـنـا لآراء زكي نـجـيـب مـحـمـود فـي هـذا الـكـتـاب من حيث الـمـنـهـج والـرؤيـة الـفـكـريـة.
لقـد استهـل المـؤلـف بـحـثـه انطلاقا مـن فرضية مسبقة اتخذها أساسا أقام عليه البناء المنهجي للبحث، وتتجلى هذه الفرضية في لجوء الباحث إلى وضع تأطير مسبق لتطور العقل العربي. حيث تغدو مراحل تطور هذا العقل هي مجرد افتراضات ذهنية، وليست تتويجا لتحليل علمي ملموس وشامل للتراث الفكري العربي.
وقد تركت هذه الفرضية تأثيراتها وبصماتها على الكثير من الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث لاحقا، بحيث يمكن القول بأن هذه الانطلاقة في البحث تكشف إلى حد كبير عن طبيعة المنهج الذي قام عـلـيـه الـبـحـث وتفـصح عــن خـصـائـصـه ومـمـيـزاتـه. ونـسـتـطيع إيـجاز هذه الـمـمـيـزات والـخـصـائـص فـي الـعـنـاصـر الـتـالـيــة:
1- عزل الفكر العربي عن سياقه الاجتماعي:
إن عزل الباحث للظاهرة الفكرية عن سياقها التاريخي والاجتماعي ناجم عن اعتقاده بـوجـود استقلالية مطلقة للـفـكـر عن الواقع، بينما تؤكد البحوث العلمية التاريخية والاجتماعية أن البنية الفكرية لأي مجتمع لا يمكنها أن تنمو وتتطور بمعزل عن الواقع المادي الملموس، فتطور الوعي الاجتماعي هو انعكاس للوجود الاجتماعي وتطوره المعقد.
ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى أن مسار التطور الفكري ليس خطا مستقيما كما تصوره الباحث ـ وهو تصور ناجم عن الفرضية المسبقة التي استند إليها في تصميم البحت وصياغة عناصره المنهجية ـ بل هو مسار متعرج ومعقد في علاقاته وتفاعلاته الجدلية مع الواقع الاجتماعي. ونظرة الباحث إلى التطور الفكري بهذا الشكل توحي بأن مفهومه للعقل الإنساني يقتصر على المستوى الطبيعي، ولا يتجاوزه إلى المستوى الاجتماعي. وكان من نتائج هذا المفهوم الضيق والقاصر ميله إلى تسطيح تراثنا الفكري والفلسفي وتبسيطه وإفراغه من محتواه الاجتماعي وجعله شبيها بمعادلة رياضية بسيطة أو معادلة من الدرجة الأولى حسب التعبير الرياضي. إن هذا الإفراط في التبسيط يتجلى في جعل الظواهر الاجتماعية والفكرية شبيهة بالقضايا المنطقية الصورية، وكأن هدفه أن تتسق والاجتماعي مرهونة بتطابقها مع واقع المجتمع الذي صدر عنه تراثنا الفكري بحيث تمثل البنية العامة لتراثنا الفكري انعكاسا جدليا لهذا الواقع.
2 – الرؤية الانتقائية للتراث:
نعني بالانتقائية في هذا السياق، اختيار النماذج والشواهد والعينات من الواقع التراثي التي تتفق مع رؤية الكاتب وأفكاره المسبقة. ويمكن إبراز هذه الخاصية باستعراض العديد من الأمثلة التي عمد الكاتب إلى توظيفها لتدعيم وجهة نظره. ففي سياق تحليله لطبيعة مرحلة الإدراك العلمي ضمن تطور الفكر العربي، حصر نطاق البحث في المجال اللغوي، وأورد الأمثلة والشواهد من الكشوف اللغوية، على الرغم من أن هذه الأمثلة تعتبر جزئية، ومن ثم فهي لا تعطي صورة شاملة على حركة الفكر العربي خلال تطوره. فإذا كانت الكشوف اللغوية النظرية التي حققها العقل العربي في تلك المرحلة تمثل المستوى الذي بلغه الوعي العلمي، فإنه يمكن أن نجد حقولا أخرى في الميدان العلمي تعكس مستوى الوعي العلمي أيضا، كما أننا نجد عشرا ت الأمثلة والشواهد التي تتعارض مع هذا الاستنتاج .
وفـي نفس السياق يمكن الإشارة إلى أن المرحلـة التي
عاش فيها أبو حامد الغزالي لا يصح تسميتها بمرحلة الإدراك الصوفي، لأن فكر الغزالي لا يمثل كل تراثنا في تلك المرحلة، بل هو مجرد جزء من هذا التراث؛ ولذلك لا يجوز اتخاذ نتاجه الفكري معيارا للحكم والتصنيف وتعميمه على المرحلة برمتها. والسؤال الذي يجدر بنا أن نطرحه في هذا الصدد هو لماذا أهمل زكي نجيب محمود أعلاما بارزين في الفكر العربي الإسلامي كابن سينا وابن طفيل وابن رشد، هؤلاء الذين بلغوا ذروة التطور الفكري العقلاني في الفلسفة العربية الإسلامية. إن إهمال هذه الرموز المتألقة والمتوهجة لا يعد مظهرا من مظاهر النزعة الانتقائية لدى الكاتب فحسب، بل يشكل ثغرة فادحة في منهجه، وخاصة أنه قد أولى أهمية خاصة للجانب العقلاني من التراث العربي الإسلامي. لقد كان من واجبه، وهو يؤكد على أولوية الجانب العقلاني في الفكر العربي ولكي يكون منسجما مع مضمون الكتاب وغايته، أن يولي عناية فائقة واهتماما مركزيا تجاه هؤلاء المفكرين والفلاسفة المرموقين، باعتبارهم الممثلين الحقيقيين للتيار العقلاني في الفلسفة العربية الإسلامية.
3 - التجريد:
يعد التجريد من أبرز سمات المنهج الذي استخدمه الدكتور زكي نجيب محمود في هذا الكتاب، وهذه الخاصية هي نتيجة من النتائج الناجمة عن افتراضاته الذهنية التي أشرنا إليها سالفا، وتتجلى مظاهر هذه الخاصية في مواطن كثيرة منها: تجريد المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في البحث من أية دلالة اجتماعية أو تاريخية، مثال ذلك مصطلح العقل واللا عقل، فقد عمل على تجريدهما من سياقهما التاريخي، ضاربا عرض الحائط بحقيقة هامة لها دلالتها وهي أن العقل الإنساني له إطاره التاريخي الذي لا يمكننا أن نفصله عنه. وبالنظر إلى هذه الحقيقة، يمكن التأكيد على عدم وجود مفهوم مطلق أو مجرد بالمعنى الميتافيزيقي للعقل الإنساني. فالعقل الإنساني ينمو ويتطور من مرحلة تاريخية إلى أخرى، ومن ثم فإن العقل في المرحلة البدائية يختلف عنه في المرحلة العبودية، كما أن العقل الإقطاعي يختلف عن العقـل البرجوازي، وهذا بدوره يختلف عن العقل الاشتراكي إلخ ... غير أن مفهوم العقل عند زكي نجيب محمود إما عقل صوري أو عقل تجريبي، وهو نفس المفهوم الذي يعطيه للعلم، فهو إما علم صوري رياضي أو علم طبيعي فيزيائي. أما العلم الاجتماعي فلا مكانة له ضمن هذه الرؤية. هكذا يعرف الباحث العقل بقوله "هو حركة استدلالية ننتقل بها من حقيقة أمامنا إلى حقيقة تتولد عنها أو ترتبط بها ارتباطا مطردا" (7). أما اللاعقل فهو كـل نظرة أو حركة خارجة عن مجال العقل المنطقي الصوري، أو العقل الوضعي التجريبي. إن هذه النظرة الــصــوريـة للعقل والتي تـقـوم بعـزله عن سياقه الاجتماعي والتاريخي قـد أدت بالباحث إلى اعتبار العاطفة والانـفعالات الإنسانية مـجـرد صورة من صور اللامعقول، لأنها لا تنتمي لا إلى العقل الصوري ولا إلى العقل الوضعي التجريبي. وفي هذا الصدد يشير الباحث إلى "أن هـناك حالات يكابـدها الإنسان ويعانيها من الانفعالات والعواطف والرغبات ومـا إليها تعتـرضه وتملأ نفسه، فإذا ضممنا جميع الأقوال التي قالها قائلوها عن حالات اعتملت بها نفوسهم، كان لنا من مجموعها مجال اللامعقول في الثقافة التي تقصيناها بالنظر والدرس"(8). هذا التجريد هو أيضا نتيجة منطقية لعدم مراعاته خصوصية الظاهرة الفكرية المرتبطة ارتباطا جدليا بالظاهرة الاجتماعية.
ونستنتج من هذا التحليل أن الإدراك العلمي الدقيق لمفهومي العقل واللاعقل لا بد أن يتم في إطار ارتباطهما ارتباطا جدليا بالظاهرة الاجتماعية بسياقيهما التاريخي والاجتماعي. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد مفهوم العقل بكونه الإدراك الواعي للحركة التاريخية والاجتماعية من أجل التحكم فيها والسيطرة على مسارها وتوجيهها توجيها يستجيب لأهداف الإنسان ومقتضيات تطوره. كما أن مفهوم اللاعقل يتحدد بالإدراك غير الواعي لحركة التاريخ ومسار التطور الاجتماعي. ويتجلى من المقارنة بين المفهومين المتضادين أن النظرة العقلانية هي نظرة علمية، لأنها تتلاءم مع قوانين التطور التاريخي والاجتماعي، وأن النظرة غير العقلانية هي انعكاس للجهل بقوانين الضرورة التاريخية والاجتماعية.إذن فالمعيار الدقيق للتمييز بين المعقول واللامعقول يكمن في الوعي بالضرورة سواء أكانت طبيعية أو اجتماعية، أو الجهل بها، وهو الأساس الذي يجب الاحتكام إليه في تقييم تراثنا الفكري والثقافي.
ولم يكتف زكي نجيب محمود برفض إعطاء هذا المفهوم التاريخي للعقل والإصرار على مفهومه الصوري والتجريبي فحسب، بل تخطاه إلى رفض المنطق الجدلي وتحريفه وإعطائه مفهوما يرادف التصوف . وفي هذا الإطار يعلق على عبارة الفيلسوف اليوناني هيرقليطس المشهورة "إننا نخطو في النهر نفسه ولا نخطو، إننا موجودون في اللحظة ذاتها وغير موجودين" (9)، يعلق على ذلك قائلا "وتلك لغة التصوف" (10). بيد أن هذا الفيلسوف المادي يشير في تلك العبارة إلى أحد القوانين الأساسية للجدل أو الديالكتيك، وهو قانون التطور الذي يجد في الظواهر الاجتماعية والتاريخية فضاء خصبا لتحققه. هذا الجدل هو قانون موضوعي في الطبيعة والمجتمع، أي أنه يوجد بصورة مستقلة عن ذواتنا ووعينا، وليس صحيحا أنه من إنتاج العقل الإنساني أو من مقولاته التي يسقطها على الظواهر الطبيعية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن التفكير الجدلي قد وجد عند هيرقليطس وغيره من الفلاسفة الماديين اليونانيين بشكل أولي غير مكتمل، إلا أنه قد شكل في حينه اكتشافا عظيما، واعتبر من طرف مؤرخي الفكر والفلسفة من أعظم منجزات الفلسفة اليونانية، كما اعتبرت آراؤه في التطور المادي للعالم بمثابـة "عرض جيد لمبادئ المادية الجدلية" (11) .
ومع ذلك فإن الدكتور زكي نجيب محمود قد تجاهل هذه المعطيات في كتابه، بل أفرط إلى حد كبير في عملية تبسيطها إلى حد الزعم بأن الجدل شكل من أشكال التصوف.
إن المنطق الجدلـي الحديث ، الذي يشكل تطـورا نـوعيـا
لجذوره المبكرة اليونانية، يعتبر أرقى أشكال المنطق الإنساني. إنه منهج علمي لتحليل الظواهر الطبيعية والإنسانية وإدراكها بصورة علمية شاملة، وهذه الوظيفة العلمية يعجز عن النهوض بها بصورة شمولية المنطق الصوري والتجريبي. إن استبعاد المنطق الجدلي في البحث ـ وهو ما يتجلى لدى الباحث ـ هو خطأ علمي فادح، ولا يمكن تعويضه بالمنطق الصوري أو غيره، لأن لكل منهما مجالا خاصا به، فالمنطق الجدلي على سبيل المثال يمكن أن يتعثر في العلوم الرياضية النووية، وحينئذ يضطر العلماء إلى تحويله إلى منطق عام وتوظيف المنطق الصوري كمنهج خاص في القضايا التي يتعثر فيها المنطق الجدلي، على أن هذا لا يعني إحلال المنطق الصوري محل المنطق الجدلي، لأن هـنـاك مـجـالات وتـطـبـيـقـات أخـرى لا ينفع فيها سـوى هـذا الأخير .
إن امتناع الباحث عن استخدام المنهج الجدلي قـد أدى به إلى الإخفاق في إمكانية إيجاد تفسير عقلي مقنع للعديد من الظواهر الفكرية التي صادفته خلال البحث. من ذلك على سبيل المثال ظاهرة الصراع الفكري بين مختلف التيارات الفكرية الكلامية في العصر العباسي، فقد وقف حائرا أمام هذه الظاهرة ، وأدت به هذه الحيرة إلى الاعتقاد بعدم وجود مسوغات عقلية لذلك الصراع. وهنا تتجلى كفاءة المنهج الجدلي وقدرته على اكتشاف العوامل الجوهرية التي تحكم هذه الظاهرة وعلاقتها الوثيقة بالصراع السياسي والاجتماعي. فالتيارات الكلامية كانت في خضم هذا الصراع تعبر عن مواقف سياسية واجتماعية بصورة ضمنية أو صريحة ولم تكن مجرد صراع فكري أو ديني محض، على الرغم من الغلاف الديني الذي كان يغطي آراءها وأفكارها ومواقفها الإيديولوجية. وهكذا يمكن القول بأن الباحث لو استخدم المنهج المادي الجدلي في مواجهة العـديـد مـن المشكلات التي اعترضته، لتوافرت لديه إمكانيات لا تعوض للـتـفـسـيـر الموضوعي لتلك المشكلات، ولكان في غنى عن التبسيط المذهل لبعض المفاهيم والقضايا واعتبارها مظهرا من مظاهر اللامعقول .
- ج -
يتجلى بوضوح من خلا ل هذا العرض أن المنهج الذي اعتمده الكاتب في دراسة التراث العربي الإسلامي بشقيه العقلي واللاعقلي يفتقر إلى الوحدة والاتساق الداخلي رغم ما يبدو عليه من وحدة ظاهرية شكلية. فهو خليط من تيارات متعددة كالوضعية والبراغماتية والتجريبية وغيرها. على أن تعدد المرجعيات الفكرية، لاينفي أن المرجعية الأساسية التي يستمد منها آراءه ومواقفه هي الوضعية الحديثة أو بتعبير أدق الوضعية المنطقية، وهي أحد أشكال الفلسفة البرجوازية في عصر الامبريالية. ويعـد الدكتور زكي نجيب محمود أحد الدعاة الأكثر حماسا وجرأة لهذه النزعة الفلسفية في العالم العربي، فقد ظل ما يزيد عن ثلاثين سنة يعمل على إذاعتها وترويجها في الأروقة العلمية والفكرية، ويدعم أسسها ومبادئها بالمؤلفات والبحوث والمحاضرات باعتبارها الفلسفة العلمية الوحيدة التي تتيح للمجتمعات العربية وغيرها من مجتمعات العالم الثالث كل أسباب التقدم والانخراط في موكب الحضارة الغربية الحديثة.
وعلى الرغم من أنه قد تراجع عن بعض مواقفه منذ أوائل السبعينات ( أنظر كتابه تجديد الفكر العربي ) وخاصة فيما يتعلق بالاعتراف ببعض التيارات الفلسفية بعد أن كان يعادي كل التيارات ويدرجها تحت عبارة "الميتافيزيقا"، إلا أنه ما يزال ينظر إلى الوضعية المنطقية على أنها الفلسفة العلمية الوحيدة الأكثر تأهيلا لتحديث مجتمعات العالم الثالث بصفة عامة والمجتمع العربي بصفة خاصة.
ومن اللافت للنظر أن هذه الفلسفة ترتدي ثوبا علميا خادعا، الأمـر الذي يتطلب إظهار أعلى قـدر من اليقظة والجهـد الدؤوب لإزالة القناع الذي تتستر خلفه. وهنا تكمن خطورتها، فهي تتضمن جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها، مثل إيمانها بقيمة العلم وقدرته على التأثير في الطبيعة والمجتمع، وبالإضافة إلى ذلك فإن لهذه الفلسفة جانبا سلبيا خطيرا يتمثل في دعوتها إلى الحياد الفكري ورفض الاعتراف بأي دور للإيديولوجيا في تطور المجتمع، على الرغم من أنها تضمر موقفا إيديولوجيا خاصا.
إن نظرة فاحصة على الخلفية الاجتماعية التي تضمرها الفلسفة الوضعية المنطقية تبين أنها ليست مجرد موقف فلسفي، وإنما هي أيضا موقف سياسي، لأنها في آخر المـطـاف تشكـل الأسـاس الفلسفـي لـنـزعـة "الحتمـية التكنولوجية" التي يقرر أنصارها أن تطور المجتمع يستند إلى الثورة التكنولوجية دون الثورة الاجتماعية (12).
ويؤكد زكي نجيب محمود هذه النزعة بقوله "التحول في عصرنا هو أن يكون الناس ذوي علم وصناعة، وسواء أكانت الخطوة المؤدية إلى هذه النتيجة نظاما فرديا (أي نظاما رأسماليا ) أو نظاما اشتراكيا" (13). فهذا الـنـص يـنـم بصورة دقـيـقـة عـن الدلالة السياسية والاجتماعية للوضعية المنطقية وطابعها الإيديولوجي المخادع، على الرغم من تظاهر أنصارها بمعاداتهم لكل المواقف الإيديولوجية. ويـتـرتـب عـلى هـذا أن النظر إلى الـتـراث الـفـكـري العربي الإسلامي من خلالها هـو تـعـبـيـر عن مـوقـف البرجوازيـة الليبرالية في العالم العربي. وتتأكد هذه النزعة في الكتاب من خلال إلحاح الباحث على الجوانب التالية :
1 – الدعوة الملحة إلى البحث عن الجوانب العقلانية في تراثنا الفكري ودمج مكتسباته بالثقافة الغربية البرجوازية الحديثة.
2 – الرفض الحاسم للجوانب اللاعقلية من التراث والدعوة إلى إعدامه، لأنها تتناقض مع تحديث العالم العربي وتشكل عائقا في سعيه إلى مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي الحديث .
3- محاولة صياغة موقف حيادي بتجاهل الدلالة الاجتماعية والسياسية للتراث الفكري العربي، وذلك من خلال تجريده من سياقه الاجتماعي وإطاره التاريخي.
يندرج عمل الدكتور زكي نجيب محمود إذن في إطار تحديث التراث وتكييفه ليتطابق مع وجهة نظر ومصالح البرجوازية العربية، كما يعكس طموحها إلى تحقيق مشروعها المخفق في بناء مجتمع حديث على الطراز الرأسمالي الغربي، بالاستناد إلى منجزات العلم والتكنولوجيا الغربية. إن زكي نجيب محمود، بتبنية للوضعية المنطقية كشكل من أشكال الإيديولوجية البرجوازية، يدعو إلى نفس المسار الذي سلكته المجتمعات الأوربية منذ القرن الثامن عشر، حين تمكنت البرجوازية الثورية في ذلك الوقت أن تدك أركان النظام الإقطاعي، وتقيم على أنقاضه نظامها الاجتماعي الرأسمالي، واستطاعت من خلاله وبفضل تقدم العلوم والاكتشافات والاختراعات أن تنجز ثورتها الصناعية الكبيرة التي نقلت أوربا إلى مرحلة نوعية أكثر تقدما. والمؤلف هنا لا يأخذ بعين الاعتبار المعطيات التاريخية والفروق الجوهرية بين الفترتين والتجربتين، فالبرجوازية في أوربا مـنـذ عصر النهضة الأوربية أصبحت هي الطبقة الصاعدة والمؤهلة تاريخيا لقيادة الثورات البرجوازية التي تـسـتـهـدف تـصـفـيـة الـنـظام الإقطاعي وإقامة النظام الرأسمالي. أما البرجوازيات العربية فـقـد عجزت عـن إنجاز هـذه الـمـهـمة الأسـاسـيـة لـظـروف تـاريـخـيـة داخلـيـة وخارجية، وهي الآن لا تستطيع إنجاز برنامج تحديثي على النمط البرجوازي الغربي، فقد أكدت التجربة أن هذه البرجوازيات القاصرة والهجينة، لا تستطيع أن تشيد أكثر من أنظمة كمبرادورية موالية للإمبريالية ومؤسساتها الدولية، ذلك لأن مسار التطور الذي فرضته حقائق عصرنا ومعطياته يتمثل في التحول الثوري إلى الاشتراكية بقيادة الطبقة العاملة وبالتحالف مع جميع الكادحين والقوى الحية.
إن رفض المنهج الذي انتهجه الكاتب وكذا اتجاهه الفكري الوضعي المنطقي ومواقـفـه من تراثنا، لا يعـني أننا نـنكر بعض الجوانب الهامة في الكتاب، وفي مقدمة ذلك دعوته إلى تبني العقلانية في تفكيرنا وحياتنا وسلوكنا. إن دعوة كهذه، وإن كانت ناقصة ومبتورة، تكتسي أهمية فائقة، وخاصة في المرحلة الراهنة التي تكثر فيها دعوات اللامعقول تحت لافتات وشعارات مختلفة دينية وسياسية وفكرية. وفي ظل هذا المناخ يصبح الكفاح من أجل إشاعة العقلانية في حياتنا وتفكيرنا ونظرتنا للأمور ضرورة ملحة.
على أن رفع شعار العقلانية في زمن اللامعقول لا يكفي لتحديث المجتمع العربي وإخراجه من دائرة التخلف. إن الشرط الأساسي الذي لا غنى عنه للتحديث، يكمن في تبني نظرية علمية ثورية، فهذه النظرية وحدها هي التي ستمدنا بما نحتاج إليه من التراث ومن الحضارات الأخرى، "وقبل ذلك وبعده بما نحتاج إليه من خلقنا وإبداعنا ، أي ما ينبغي أن نضيفه إلى جهود السالفين من أجدادنا، والمعاصرين لأجيالنا في أرجاء العالم الواسع" (14).
إن حل قضية العلاقة بيننا وبين تراثنا الحضاري حلا ثوريا، تقع مهمته على عاتق الطليعة العلمية الثورية في المجتمع العربي. فهذه الطليعة هي المرشحة للنهوض بهذا العبء التاريخي، وذلك في سياق النضال الدائب لتغيير الواقع المتخلف واستبداله بواقع متقدم. إن على هذه الطليعة الواعية أن تتصدى بحزم لكافة التشويهات والتحريفات التي يتعرض لها تراثنا الفكري والحضاري، وأن تقدم تفسيرا علميا لهذا التراث يقوم على استلهام أفضل قيمه ومنجزاته، طبقا لاحتياجاتنا وواقعنا الثوري. إن تقديم تفسير علمي لتراثنا واستلهامه في سياق احتياجات الحاضر وطموحات المستقبل هو السبيل الصحيح "لتحقيق أصالتنا العصرية وعصريتنا الأصيلة" (15).
علي سعيد
إشارة:
نشرت هذه المقالة النقدية في الأصل في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وقمنا بإعادة نشرها، نظرا إلى أننا نعتقد بأن الآراء التي احتوت عليها ما تزال إلى حد الآن تقدم تحليلا صائبا للآوضاع السائدة في الفكر العربي المعاصر، رغم المتغيرات الجديدة التي عرفها العصر منذ ذلك الوقت حتى لحظتنا الراهنة.
هوامش:
1 – التخلف الفكري وأبعاده الحضارية: د فؤاد زكرياء ، مجلة الأصالة ، العدد 29 / 30 ، جانفي ـ فيفري 1976 ص 74 ـ 76 .
2 – صدر الكتاب عن دار الشروق ، بيروت بدون تاريخ .
3 – الكتاب ص 8 ـ 9 .
4 – ن م : ص 7 .
5 – ن م : ص 75 ـ 76 .
6 – ن م : ص 9 ـ 10 .
7 – ن م : ص 362 ـ 373 .
8 – ن م : ص 365 ـ 366 .
9 – ن م : ص 376 .
10 – ن م : ص 376 .
11 – الموسوعة الفلسفية: دار الطباعة والنشر، بيروت ص 558.
12 – مقالات فلسفية وسياسية : د مراد وهبة ، مكتبة الأنجلو مصرية 1971 ، ص 9 ـ 10.
13 – تجديد الفكر العربي: د زكي نجيب محمود، دار الشروق، بيروت 1971، ص 237.
14 – التراث والثورة: د غالي شكري ص 27
15 – العبارة لمحمود أمين العالم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

موقف زكي نجيب محمود من التراث العبي الإسلامي، قراءة فير كتابه "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكر"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» نجوى كرم موقف محرج في arabs got talent
» حصريا محمود الحسيني اغنيه ( يا انسان ) جـــــــــــــامد كيك
» فيلم أقوى من الأيام بطولة محمود عبد العزيز ونجلاء فتحى
» قراءة القران
» قراءة في مسلسل - متجدد

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الانثروبولوجيين والاجتماعيين العرب :: منتديات متنـــــــــــــــــــــوعة :: الاخبار والمقالات الاجتماعية والثقافية-